عبد الله بن محمد المالكي
367
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
« كتاب الزهد » بكى حتى تسيل دموعه على لحيته » . قال أبو بكر بن اللباد « 180 » : « حدثت أن رجلا من أهل الأندلس يقال له « إبراهيم بن لبيب » « 181 » كان يسمع من سحنون ، فأراد أن يعلم حزبه وصلاته بالليل . قال إبراهيم : فأتيته فقلت : « إني أريد أن أسافر ، وعندي غلام معه نعمتي ولا تطمئن نفسي أن يكون إلا عندك ، فأحب أن تبيح له أن يبيت معك في البيت الذي تبيت فيه ، قال : فأجابه إلى ذلك . فقال إبراهيم للغلام : « لا يكون لك عمل في النهار إلا النوم والسهر في الليل ، حتى ترى صلاة سحنون في الليل » . فأقام ثلاث ليال مع سحنون في البيت ، ثم رجع إلى مولاه ، فسأله عما عاين من سحنون ، فقال له : « كان يصلّي العشاء الآخرة ثم يوتر ثم ينام فما يقوم إلا لصلاة الصبح ، فيركع ركعتي الفجر ثم يصلّي الصبح » . فمضى إبراهيم بن لبيب إلى سحنون فقال : « أصلحك اللّه ، إنك إمامي ، وقد أخذت عنك ديني ، وقد أردت أن أعلم حزبك في الليل » فقال له : « وما دعاك إلى هذا يا إبراهيم ؟ » . فقال : « أردت أن اعلم ذلك » فقال له سحنون « قليل من العمل مع الورع كثير » . هذا ويمكن « 182 » أن يكون عرض لسحنون في هذه الليالي ما منعه من قيام الليل ، فقد وردت عنه أخبار في قيام الليل صحيحة مما يدل على كثرة تهجده وملازمته لقيام الليل » . يحيى بن عون ، قال « 183 » : « دخلت مع سحنون على ابن القصار وهو مريض ، وكان من أصحابه ، وأصابه في علته قلق ، فقال له : « يا ابن القصار ، ما هذا القلق الذي أنت فيه ؟ » قال : « الموت والقدوم على اللّه عزّ وجل » فقال له سحنون : « ألست مصدقا بالرسل أولهم وآخرهم والبعث والحساب والجنة والنار ؟ وأن أفضل هذه الأمة - بعد نبيها صلّى اللّه عليه وسلم - أبو بكر ثم عمر ؟ و [ أن ] « 184 » القرآن كلام اللّه غير مخلوق ؟
--> ( 180 ) الخبر لم يرد في غير الرياض . ( 181 ) أبو إسحاق ، يعرف بابن الحائك ، قرطبي . ولم تنص المصادر على روايته عن سحنون . تاريخ رواة العلم ( رقم 11 ) ، المدارك 4 : 442 . ( 182 ) في الأصل : وهذا يمكن . ( 183 ) انفرد المالكي بهذا الخبر . ( 184 ) زيادة للسياق .